يخطئ الإسلاميّون حين يعتقدون أنّ العلمانية الصريحة تشكّل خطراً عليهم أكثر من العلمانية الكامنة لدى تيّارات مختلفة من الإسلاميين أنفسهم.
ثمّة نزعةٌ من “التنزيه المفضي إلى التعطيل” , وهي نزعةٌ بشريّة تجاه العقيدة, ضمن نزعات مختلفة من تعامل الإنسان المرتبك مع الأفكار الكبرى, وجدتْ هذه النزعة صداها الأوّل في الإسلام مع تيّارات الجهميّة و المعتزلة , و التي أرادتْ تنزيه الله عن الصفات حتى لا يشبه البشر و تحلّ عليه الحوادث فاتجهت نحو تأويلها , ما أفضى إلى تعطيلها في مآله.
لكن الأخطر من ذلك, وهو المهمّ في وقتنا الحالي , بتجلّيه العقدي-السياسي, هو تنزيه الإسلام نفسه عن أن يشبه الحياة البشريّة لدى اشتباكه مع المجتمع , ثمّة نوهّم لاعتبار الدين المنزل للبشر يحمل صفات الله المطلق المتعالي نفسه , فالدين هنا لا يحتمل اجتهاداً او اختلافاً فحتى تفاصيل التفاصيل تصبح محكّ الإسلام و الكفر.
هذه المطابقة بين الله و الدين لا تقف هنا , ولا تقف عند المطابقة البديهية ما بين الدين و فهم الجماعة له, وإنّما تريد المطابقة ما بين الدين والإنسان أيضاً (المطابقة بين الإسلام و التاريخ), بحيث لا يمكن للدين أن يتحقّق في الحياة إلّا جسداً واحداً بأكمله ومرة واحدة, ولا يمكن للإنسان نفسه أن ينتمي لهذا الدين بغير الانتماء لمشروع الجماعة بكلّيّته, المشروع المتجاوز لصفته الإنسانيّة القائمة على التفاعل و السعي, و المتجاوز لطبيعة الحياة نفسها القائمة على التدافع, و المتجاوز للدين نفسه باعتباره قائماً بالضرورة على مساحة من القطعيّ و الظنّيّ ومنزلاً بالضرورة ليتحقّق في الحياة لا ليتجاوزها إلى الطوبيا.
هذا التصوّر الطوباوي القائم على تنزيه الإسلام عن الاشتباك مع الحياة تنزيهاً مفضياً إلى تعطيله , يجد صداه لدى كثير من الجماعات الجهادية , ولا تخلو منه حتى تيّارات الإسلام السياسي ولا الإسلام الشعبي , و إن كان يتجلّى بتمظهرات مختلفة و مستويات مختلفة , فهو ليس قائماً فقط في التصورات السياسية التي لا تستطيع التفكير في غير الخلافة (حتى صورة الخلافة هنا متخيّلة و ليست ما تحقّق في التاريخ), و إنّما تتسبب حتى في قصور الإسلاميين عن الإبداع النظري أو العملي في مجالات الثقافة أو الحضارة المختلفة , ليس أوّل ذلك الأدب و الفنّ ولا آخره مجالات علم الاجتماع و السياسة.
والعلمنة الحقيقية , ( إن عرّفنا العلمنة كعملية فصل الدين عن الحياة العامة), تتجلّى هنا ,وهو ما على الإسلاميّين مواجهته مع أنفسهم نظريّاً أو عمليّاً ولكن قبل ذلك نفسيّاً , قبل الإصرار دوماً على معارك مع أعداء ليسوا بالضرورة سبب هزيمتهم.