يروي تاريخ الكتابة الإسلامية حوادث كثيرة لمن أفنوا كتبهم قبل مماتهم , تتعدّد أسباب ذلك و إن كان أهمّها الخوف من المسؤولية عن خطأ في هذه الكتب , حرقاً كما فعل المؤسس الأهم لعلوم اللغة العربية أبو عمرو بن العلاء والذي يروي تلامذته أن كراريسه كانت تصل إلى سقف بيته , أو كما فعل أبو حيان التوحيدي حين أحرق مكتبته اعتراضاً على جحود العالم له , أو دفناً كما فعل الفقيه الكبير سفيان الثوري الذي كان قد لبس كتبه قبل مماته في قميصه ليفهم أهله أن عليهم أن يدفنوها معه , أو غسلاً , وكانت هذه الطريقة الأكثر شهرةً و تكراراً لتبقى الصحائف للكاتبين الآخرين , و كان المتصوفة كثيراً ما يقفون على الأنهار يغسلون الحبر عن الورق ورقةً ورقة حتى تعود بيضاء… و يؤول الكلام كما كان إلى الغيب وحده … و يُنسى.
في زمن الأرقام يكفي أن يمرّ إصبعك على شاشة لتمحو التاريخ … تاريخك أنت قبل الآخرين.
هذا زمن رديء … حتى النسيان أضحى سهلاً .
***
ألّف الفقيه أبو بكر السرخسي أضخم موسوعة في الفقه الحنفي وهي كتابه “المبسوط” من نحو خمسة عشر مجلداً إملاءً من حفظه دون ورق , بينما هو سجين في أوزجند في أوزبكستان بعد فتوى لم تعجب الخاقان (الملك بلغة الترك) الذي كان يريد الزواج من “عتيقته” قبل أن تكمل عدّتها , فسجنه في بئر لخمس عشرة سنة.
وكان تلامذته يجلسون في أعلى البئر بينما هو يملي عليهم إجاباته على المسائل الفقهية مع أدلّتها في الفقه الحنفي و ويناقش أدلة المذاهب المختلفة, حتى استوعب جميع أبواب الفقه في زمنه.
وكان يذكّر في تأليفه للكتاب بمحنته , ففي نهاية شرح العبادات قال :
“هذا آخر شرح العبادات بأوضح المعاني و أوجز العبارات إملاء المحبوس عن الجمع و الجماعات”.
وفي آخر شرح الإقرار :
“انتهى شرح الإقرار المشتمل من المعاني على ما هو من الأسرار إملاء المحبوس في محبس الأشرار “.
ولم يفرج عنه إلّا بعد أن أنهى كتابه المبسوط و بدأ في إملاء كتاب “شرح السير الكبير”.
و لعلّ التاريخ العلمي الإسلامي هو الأغنى بهذه النوادر التي كانت سمة الدراسة والبحث الذي يستوعب حياة و أعمار العلماء المتفانين بإخلاص غريب في سبيل المعرفة المقدّسة عند الله, ولعلّ من أفضل الكتب التي تعرّضت لأحوال الكتابة العربية و تاريخها المدهش المنسيّ “كتاب الحكمة العربية” للدكتور محمد الشيخ , و كتاب “قيمة الزمن عند العلماء” للشيخ عبدالفتاح أبو غدة.