بالأمس كانوا ومرّوا، عبروا من الزمان الذي توقف بنا هناك، يبدو الناس اليوم كثيرين في المدن والصور والهواتف، ولكن وجوههم ما زالت تسكننا وتذكرنا بالأيام الجليلة، حين كانوا حولنا قليلين وقريبين ويكفون لئلا نحسّ بعبء السنين والعمر القادم وغربة ورقة الخريف بين ازدحام الشوارع
تمتلك هذه الذاكرة حدّ سكين، توهج بركان في الجوف، ورهافة ورقة خريف، تختزن دماً بحجم الأرض، آلاماً تلتمع في ملايين العيون وتنطفئ في قبو القلب، ودموعاً تسيل في الشرايين والحلق المشقق، ولكنها روحنا الباقية أبداً كنبوة متجددة وربيع بلا حدّ وضحكة تجلجل في أرجاء الكون، ماذا نتبقى دونها سوى تماثيل حجر كلسي ؟، إنه شرط الحياة الأقسى والأجمل أن ننتمي دوماً إلى عذاباتنا الخالدة في روزنامة الأيام، ابتسامات الوجوه الغائبة، الأصوات التي نبعت أول مرة، مصافحة تلك الأيدي البعيدة والغبار المنتفض من خبطة الثياب ومناطحات الأرض العارية العظيمة، ها هم انغرسوا عميقاً في دفئها، وانغرزت فينا الذاكرة، تبقى هذه الذاكرة رحمةً من يباب الزمن الجديد، ولكن الطين هناك أرحم