تزدحم صفحة معرض دمشق الدولي بصور وفيديوهات جولات المسؤولين أكثر من رفوف الكتب، في معرضي الرياض والقاهرة، وهما أضخم بأضعاف مضاعفة عل مستوى الحجم وعدد الكتب والمبيعات من معرض دمشق، لن تعثر على عُشر جولات مسؤلي الصفوف الأولى إلى العاشرة في معرض دمشق، وكثير منها مرفق بتصميم وموسيقى تصويرية وكأنها من صور فتح دمشق.
لا كتب ممنوعة في معرض دمشق، وهناك تنوع فكري في المحاضرات، وهذا شيء إيجابي وعادي أيضاً، كما أن من العادي إقامة معرض دمشق للكتاب الذي يقام من عشرات السنوات. أحد مظاهر الثقة هو عدم التعامل مع المنجز العادي باعتباره استثناء عبقرياً يستحق الاحتفالات والإشادة وتزدحم فيه صور البدلات الرسمية والجولات الرسمية والكلمات الرسمية التي تشيد بالإنجازات التاريخية.
هذه مظاهر بعثية ولغة بعثية، تشغل حيّزاً في ذاكرة السوريين، وتحضر فوراً آليات التشبيه واللوحات الكوميدية التي كانت تتحدث عن هذه الاحتفالات والمظاهر باعتبارها غطاء لعدم وجود إنجاز حقيقي، خاصة أنها هي في الوقت نفسه من مأساة المخيمات والفيضانات.
ليست صورة معرض دمشق للكتاب استثناء، بل تحول الفضاء العام الرسمي، وفضاء دمشق الفيزيائي نفسه إلى صورة مشابهة منذ العام الماضي، مرافقات ومواكب رسمية ومظاهر متعمدة لتوكيد السلطة والمناصب وتشكيل طبقة منفصلة عن الناس في كل مكان، أمام كل فندق ومطعم ومقهى ومؤتمر. مع أن كثيراً من هؤلاء موظفو دولة لديهم وظيفة يؤدونها وانتهى الموضوع، وليسوا كبار الجنرالات أو ذوي المناصب الخطيرة التي تؤثر على الأمن الدولي ليحاطوا بهذه الحمايات والمظاهر.
أتذكر حجي مارع رحمه الله، وكل قادة الثورة كانوا كذلك، ندخل عليه متربعاً على الطراحة في غرفة رثة، ويقوم ويسلّم ويرحّب سواء من أتاه كان وزير دولة أو مراهقاً من أفقر الناس. وكثيراً ما كان يقال بين العناصر إن قائد فصيل معين يأكل اللحم بينما هم يأكلون البرغل، وكان ذلك يؤثر في تماسك هذا الفصيل لاحقاً أو انهياره عند أي هزة.
مظاهر توكيد السلطة للموظفين في دمشق لا تراها في دول وعواصم أغنى بكثير، ولا في اجتماعات مسؤولين رسميين في هذه الدول. لا أعلم إن كانت عقدة نقص متوارثة عندنا تجاه السلطة ووهم المكانة، أم تقليداً غير واعٍ لمظاهر الحكم الأسدي. ولكن تلك المظاهر بالذات كان لها دور في تأكل شرعية السلطة والشعور بغربتها عن المجتمع ما ساعد على الثورة ضدها.
ولعل من المفيد التذكير من دون أي مطابقة في الحالتين بصورة بشار الضاحكة في مثل هذه الأيام في زلزال ٢٠٢٣، كان لهذه الصورة تأثير كالعقوبات في إسقاط شرعية الأسد لدى قواعده وحواضنه، وهو ما ساهم لاحقاً في انهياره السريع. كما أن صور الرفاه والسيارات الحديثة لأبناء المسؤولين كان لها دور في تفجير الثورة نفسها. والمقيم في خيمة وسط البرد والثلوج والفيضانات لن تعنيه تفاصيل الرواتب الحكومية والأعباء الإدارية والتضحية لموظفي الدولة، وأنا أعلم أن ذلك صحيح، ولكن المقيم في الخيمة لن يهتمّ سوى بالمقارنة بين صورته وصورة من يمثّله ويفترض أن يخدمه وأن يشبهه.
وتأتي التبريرات ضد غضب الناس ونقدهم لتزيد من هذا الغضب الذي يزيد سريعاً، ويوشك أن يفيض. أحد الأصدقاء من رعيل الثورة الأول، كان من رفاق حجي مارع وأبو الفرات وتظاهر وقاتل واستشهد شقيقه، واختار بعد تحرير قريته من داعش أن يكون معلّماً، حتى يعلّم الأطفال من الصغر رسم علم الثورة وسيرة المظاهرات والجيش الحر، ولكنه وجد نفسه في طليعة حراك معلّمي الشمال والداعين للإضراب، وكتب رداً على من يقنعهم بالسكوت لأن ثمة قضية أكبر وتعقيدات لا نعلمها جرّب أن تعيش براتب ٩٥ دولاراً في الشهر ثم أقنع المعلّمين بالسكوت.
ربما لا تمتلك الدولة عصا سحرية ولا مقدرات اقتصادية، ولكنها تمتلك ألا تثير غضب الناس، وأن تحاول أن تشبههم، وأن تمثل شرائح أوسع فيها، وألا تدافع عن مظاهر واحتفالات إنجازات وهمية وتوظيف أقارب وغيرها، مما لن يدفع الجائع المستباحة كرامته للصمت، وإنما لغضب أكبر.
إن كان ثمة هدف أول للثورة، وللدولة التي تمثل الثورة، فهو استعادة كرامة الإنسان السوري، كرامة ساكن الخيمة، والواقف على طابور الخبز، والمطرود من التوظيف، والطالب في المدرسة، هذه هي الكرامة، خدمات أساسية وحقوق أساسية تكفلها الدولة للجميع، لا قصائد القصور ولا مواكب المرافقات.
منذ أشهر حتى اليوم يمكن بسهولة تتبع تزايد الاحتجاجات الشعبية والاحتقان في حواضن الثورة نفسها، وفي جميعها. تجاه الإدارة المحلية أو أسعار الكهرباء أو تأخر حل ملفات العدالة والمفقودين أو غياب الدعم والمشاريع الكبرى التي يُعلن عنها في الاحتفالات الضاحكة. وهذا الغضب ليس بعيداً أن يفيض وينفجر قريباً.