في سوريا التي ما زالت تعيش مرحلة انتقال سياسي، يُناقش كل شيء إلا السياسة.
الأسئلة الحرجة ولكن الحقيقية التي يجب أن تُطرح هي حول بنية النظام السياسي الجديد: هيمنة هيئة تحرير الشام المستمرة، تعطيل التمثيل الشعبي وإعادة الاعتبار لسلطة الشعب، عدم مشاركة قوى سياسية واجتماعية مختلفة في بنية الحكم والقرار، الوصاية على الحياة المدنية والسياسية من خلال الأمانة العامة للشؤون السياسية، احتكار سردية التحرير والدولة لصالح فصيل واحد، وغيرها
وهذا نقاش يومي وشائع بين السوريين، ولكنه غير منقول على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تُغرق هذه المساحات بنقد قضايا آمنة وغير مؤثرة، موكب وزير أوقاف وقرارمنع استيراد دواجن وتعيين أقارب مسؤول. يمكن أن يتم إصلاح كل ذلك وتغييره ولكن بنية النظام السياسي لن تتغير، وهي أساس النقاش والإصلاح وليس قشورها ومظاهرها.
هذا الخلل في بنية الحكم هو أساس أي مشكلة لاحقة، عدا عن تأثيره على شرعية السلطة وحواملها الاجتماعية، لأنه يضيّق سلفاً الشخصيات الممكن أن تُقبل في اللعبة أو تقبل هي، ولو دخلت فهو يضيّق صلاحياتها وقدرتها على التغيير، ويضعها في جوف صراعات داخلية بين الفصيل المهيمن نفسه.
وهذا سبب تعطل كثير من الملفات حتى بعد سنة وثلاثة أشهر من سقوط النظام، مثل ملف المفقودين والعدالة الانتقالية وأرشيف النظام، ينشأ عجز تقني سببه بنية النظام السياسي نفسه. صراع على من يمتلك الملف، وقلة عدد الكوادر الممكنة وضعفها، واستبعاد كوادر وخبراء آخرين أو إبعاد أنفسهم بسبب عدم الانسجام مع البنية السياسية. ويُترك أهالي الضحايا ينتظرون بيأس طرف خيط من الحقيقة والعدالة.
ولعل التمثيل الدبلوماسي المعطل حتى اليوم أبرز مثال على هذه البنية السياسية التي تمنع حلّ الملفات العالقة. هناك دبلوماسيون منشقون يُنظر إليهم كأشخاص من خارج المنظومة وغير مضمونين، ودول لا توافق على تعيين غير الدبلوماسيين لديها، وتُرك الملف معطلاً هكذا. يمكن النقاش أيضاً حول ملف إعادة الإعمار المعطل كذلك دون أي حديث عن مستقبله.
يُطرح اليوم إعادة منصب رئيس الحكومة وحديث عن تعديلات وزارية قادمة وإبعاد إخوة الرئيس، ربما يأتي أشخاص أكفأ أو لا، ولكن ذلك لن يغير البنية نفسها، ولن يغيّر طبيعة توزيع السلطات الحقيقية بين لوبيات الهيئة والإنقاذ السابقة وسحب كثير من صلاحيات سواهم ولو كانوا وزراء.
تجربة إدلب توسعت فعلاً لتشمل الدولة السورية الجديدة. وتغير شكل الدولة ومؤسساتها وخُلقت مؤسسات جديدة لترضي توقعات الأجنحة والشخصيات المختلفة بناء على أدوارها القديمة. لعلّ الأمانة العامة للشؤون السياسية وهيئة المنافذ والجمارك أبرز هذه الأمثلة. ولكن لم تجر المعادلة نفسها لإرضاء وتمثيل القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في سوريا، وهي الفئة الأكبر والتي قامت الشرعية الشعبية للحكم الجديد على دعمها.
ولعل ضعف التمثيل الاجتماعي هو نتيجة غير مقصودة لمعضلة عدم وجود حواضن اجتماعية واسعة للهيئة سابقاً إلا في مناطق محدودة، ولذلك أصبح لبلدات معينة تمثيل أكثر من محافظات كاملة، وباتت هذه البلدات محل تندر شعبي أو نقمة.
حتى على المستوى الأمني والعسكري، ورغم الإدماج الواسع للفصائل المختلفة، ولكن يمكن بمعادلة بسيطة مقارنة النسبة القيادية أو الرتب العليا أو التكريم في الاحتفالات، بين الهيئة وغيرها، وهذا أيضاً صنع حساسية واضحة.
في البداية كان تبرير هذه البنية السياسية شبه الأحادية لحفظ الاستقرار ومنع الفوضى، ولكن هذه البنية المغلقة نفسها باتت تستنزف رصيد شرعية ودعم الحكم لدى الحواضن الاجتماعية المختلفة، سواء كانت حواضن ثورية مسيسة تتأثر بهيمنة الهيئة، أو حواضن غير مسيسة تتأثر بالوضع المعيشي والاقتصادي، وهو وضع لا يمكن أن يشهد نهضة تشبه الوعود الرسمية دون تغيير حقيقي يعيد بناء الثقة باستقرار وتمثيل وكفاءة المنظومة. وعلى العكس فإن التوجه العام نحو الخصخصة ورفع الدعم سيزيد هذه الأزمة الاقتصادية والمعيشية.
حتى على مستوى البيانات، يظهر التزايد المطرد في الأفعال الاحتجاجية على مستوى الوقفات والإضرابات والرأي العام، داخل الحواضن الثورية نفسها في ريف حلب وإدلب وريف دمشق ودير الزور وغيرها، والتي تأخذ أسباباً معيشية أحياناً ولكنها تعكس الشعور بفقدان التمثيل داخل السلطة أيضاً. وتراجع في المقابل الخطاب المدافع عن الحكومة حتى من أصوات اشتهرت بهذا الدفاع.
يرسم هذا كله ملامح احتقان متراكم، وشعور متزايد بغربة السلطة عن المجتمع، وهو مؤشر خطير، ولا أحد يرغب بحصول انفجار أو صدام قد يفتح بوابات الفوضى، وأنا كنت وما زلت ضد المعارضة الصفرية والمشيطنة للحكم الجديد، وإنما مع إعادة الاعتبار للسياسة والحوار وتشجيع الفاعلية الاجتماعية.
لا أحد بإمكانه حل مشاكل بلد مدمر ومنقسم بضربة ساحر، ولكن يمكن المصارحة بوجود مشكلة والبحث عن حل.
ونقطة البداية واضحة، التمثيل الشعبي وإعادة الاعتبار للسلطة التشريعية المنتخبة، وعدم اختراع العجلة بالنسبة لبنية الدولة وفصل السلطات وحدود الصلاحيات، وفتح حوار صريح حول شكل النظام السياسي والمستقبل والأزمات الاجتماعية والسياسية. تكسر المصارحة والمشاركة هذه الجدران الفاصلة بين المجتمع والسلطة، وتوقف الاحتقان المتراكم الذي لن تعالجه تريندات جديدة.